عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي

40

أمالي الزجاجي

لا تفعل فإنّه لا نصف لك منه « 1 » . فأدخلنى كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى ، فجاءنى بزنبيل ومجرفة ، فقال لي : انقل ما هاهنا . فجلست أمثّل أمرى « 2 » كيف أصنع . فلما كان في الهاجرة جاءني وعليه سبنية « 3 » أرى سائر جسده منها ، فقال : إنّك على ما أرى ما نقلت شيئا ! ثم جمع يديه وضرب بهما دماغى فقلت : واثكل أمّك يا عمر ، أبلغت ما أرى ! ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته ثم واريته في التراب ، وخرجت على وجهي لا أدرى أين أسير ، فسرت بقيّة يومى وليلتي ، ومن الغد إلى الهاجرة ، فانتهيت إلى دير فاستظللت في فنائه ، فخرج إلىّ رجل فقال : يا عبد اللّه ما يقعدك هاهنا ؟ فقلت : أضللت أصحابي . فقال : ما أنت على طريق ، وإنّك لتنظر بعيني خائف ، فادخل فأصب من الطّعام واسترح . فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطفنى ، ثم صعّد إلىّ النّظر وصوّبه فقال : قد علم أهل الكتاب - أو الكتب - أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب - أو الكتب - منّى ، وإنّى لأجد صفتك الصّفة التي تخرجنا من هذا الدّير وتغلبنا عليه . فقلت : يا هذا ، لقد ذهبت في غير مذهب . فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : عمر بن الخطاب . فقال : أنت واللّه صاحبنا ، فاكتب على ديرى هذا وما فيه . فقلت له : يا هذا ، إنّك قد صنعت إلىّ صنيعة فلا تكدّرها . فقال : إنّما هو كتاب في رقّ ، فإن كنت صاحبنا فذاك ، وإلّا لم يضرك شيء . فكتبت له على ديره وما فيه ، وأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلىّ ، ثم أوكف أتانا وقال لي : أتراها ؟ قلت : نعم . قال : سر عليها فإنّك لا تمرّ

--> ( 1 ) النصف : الانتصاف وأخذ الحق كاملا . ( 2 ) كتبت في م بوضع ثلاث نقط فوق الثاء ونقطتين تحتها لتقرأ بالوجهين . ( 3 ) السبنية : ضرب من الثياب يتخذ من مشاقة الكتان .